السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

191

مفاتيح الأصول

بعدم المخصص جعله شرطا مطلقا ومن لم يجعله شرطا له لم يجعله مطلقا فالتفصيل خرق للإجماع المركب أو لإلحاق النّادر بالغالب طردا للباب ومراعاة لضبط الكلَّية وصونا للحكم بعدم اشتراط العمل بالعام بالقطع بعدم المخصص عن التهافت فيه ونظير هذا كثير في الشرعيات والعقليات أو لأن النادر غير متميز عن الغالب وأن العلم بعدم إمكان تحصيل القطع بعدم المخصّص في الأغلب إنما هو على جهة الإجمال دون التفصيل وذلك يوجب سقوط وجوب تحصيل القطع بعدم المخصّص في الأغلب إنما هو على جهة الإجمال دون التفصيل وذلك يوجب في جميع الأفراد وإلا لوجب البحث في جميع الأفراد إلى حدّ يتعذر بعده وهو مستلزم للجرح العظم وقد أشار إلى ما ذكره الفاضل الشيرواني فقال ثم هذا الكلام لا يقتضي الاكتفاء بالظن مطلقا وإنما يقتضي عدم اشتراط القطع مطلقا لأن غلبة انتفاء السّبيل إلى القطع لا تقتضي أن لا يشترط القطع في النادر بل يمكن أن يكتفي بالظنّ فيما لا يمكن القطع ويشترط هو فيما يمكن نعم يمكن أن يقال لما تعذر التفرقة بين ما يمكن القطع فيه وبين خلافه فاشتراط القطع فيما يمكن يؤدي إلى الاستقصاء في جميع العمومات وأكثرها حتى يحصل اليأس وربما لم يحصل أصلا وربّما حصل بعد زمان طويل يفوت المقصود ويتعطل العمل فيؤدي إلى إبطال العمل بأكثر العمومات أو جميعها بل ربّما يؤدي إلى العسر والجرح انتهى وللآخرين الأصل وضعفه ظاهر بعد ملاحظة ما مرّ والمعتمد عندي هو القول الأول الثاني هل يشترط على المختار تحصيل القطع بعدم تمكنه من الاطلاع على المخصّص وإن احتمل وجوده في الواقع أو لا بل يكفي الظن بعدم المخصص مطلقا ولو احتمل اطلاعه على المخصص فيه إشكال ولكن ظاهر الثاني وهو المعتمد الثّالث هل يشترط على المختار استقصاء البحث عن المخصص فيجب الرّجوع إلى جميع كتب الأحاديث من كتب الأربعة وملاحظة جميع أبوابها وإلى جميع كتب التفاسير وإلى جميع كتب الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين وإلى جميع الأبواب وإلى فضلاء العصر وبالجملة يجب مراجعة كلّ ما يمكن وجود المخصّص فيه وإن توقف تحصيله على بذل مال كثير وجب وكذا يجب تكرار النّظر والتّدبر وإن طال الزّمان وتوقف الترجيح في المسألة على مضي سنة أو أزيد أو يكفي صدق حصول الظنّ بعدم المخصّص من جهة البحث لم أجد أحدا تعرض لهذه المسألة مبسوطا ولم أجد أحدا من القوم ذكر حدّا ومقدارا وكيفية للبحث نعم في حاشية المعالم لجدي الصالح رحمه الله واعلم أن أبواب آيات الأحكام وأبواب أخبارها وإن كانت مضبوطة مذكورة مفصّلة فإن علماءنا جعلوا ما يتعلق بالطهارة من الآيات والأخبار بابا واحدا وما يتعلَّق بالصّلاة بابا آخر وعلى هذا القياس لكن إذا وجدنا عامّا في باب ولم نجد مخصّصا في ذلك الباب لم يكف هذا في جواز العمل بذلك بل لا بدّ من طلب مخصّصه في أبواب أخر لجواز أن يكون مذكورا بنحو من المناسبة ومثل هذا غير قليل يظهر ذلك لمن تأمل في كتب الأخبار وكذلك لا بدّ من تتبع كلام الفقهاء لتحصيل الظن بعدم وجود الإجماع وفي الوافية وعلى تقدير الاكتفاء بالظن يكفي ملاحظة التهذيب والكافي بل لا يبعد الاكتفاء بالتهذيب لندرة وجود خبر مخصص في غير التهذيب مع تحقق عامه فيه ولا يكفي ملاحظة الكافي فقط وينبغي في فحص مخصّص العام المتعلق بشيء من مسائل الطهارة ملاحظة كلّ واحد من أبوابها في التهذيب وكذا الصّلاة والصوم والزّكاة والحج وغيرها سيما باب الزّيادات والنوادر في كلّ منها والأحسن ملاحظة الأبواب المناسبة في الكتب الأخر فإنّ في كتاب الطَّهارة ما يتعلق بالنكاح وبالمكاسب وبالصّلاة والصوم وفي النهاية قال ابن شريح لا يجوز التمسّك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصّص فإذا لم يوجد بعد ذلك مخصّص جاز التمسّك به وهو الأقرب وفي المعارج والمعالم والمختصر وشرحه والإحكام وموضع من النهاية يكفي الظن الغالب وفي المنية والزبدة وشرحها لجدي وموضع آخر من النهاية يكفي الظن والتحقيق عندي أن الاستقصاء بالنحو الَّذي تقدم إليه الإشارة غير واجب لظهور اتفاق الأصحاب عليه كما يظهر من سيرتهم وطريقتهم وملاحظة كتبهم ومع هذا فهو مقتضى ظواهر عبائر جمع كثير منهم ولأن ذلك لو كان واجبا للزم الحرج العظيم والمشقة الشّديدة ولما استقام للفقه عمود ولما اخضر له عود وكيف يمكن مع هذه الأعمار القليلة والهمم القاصرة والموانع الحادثة يوما فيوما بل ساعة فساعة الاجتهاد في جميع المسائل الفقهية أصولا وفروعا مع كثرتها ووفورها على النّحو المذكور بل لا يمكن ذلك في باب من أبوابه وقد رأينا جماعة مالوا إلى كثرة التتبع وشدّة دقة النّظر في الفقه ولم يحصل لهم إلا شيء قليل لم ينتفعوا به فضلا عن غيرهم وبالجملة لو كان ذلك واجبا لوجب الحكم بسقوط الاجتهاد والتقليد كما لا يخفى وعلى هذا فالمناط والمعيار هو حصول الظن الَّذي يطمئن به النّفس ويعتد به عند العقلاء من جهة البحث والتفتيش ويخرج بسببه عن كونه مقصرا في تحصيل المسائل وهذا هو المناط عند العقلاء فيما يوجبون فيه البحث والتفتيش